السيد محمد تقي المدرسي
204
من هدى القرآن
ذلك لأن الأمة الإسلامية كانت ولا تزال خير أمة أخرجت للناس ، وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وآله : « إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ تَبِعَنِي رُبْعَ الجَنَّةِ » قال : فَكَبَّرنا . ثم قال : « إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ » فكبرنا ، ثم قال : « إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ ثم تلا صلى الله عليه وآله الآيتين ] « 1 » . وفي الخصال للشيخ الصدوق رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفّاً » « 2 » . ويكفي بالثلة هنا كثرةً إذا اعتبرنا الأولين هم الأمم السابقة حسب بعض الروايات ، والآخرين هي أمة الإسلام ، وقد عدلها الله بهم ، فقال : ثلة من أولئك وثلة منها . [ 41 - 42 ] ويبدأ السياق شوطا جديدا من الحديث يتمحور حول الفريق الثالث من الناس وهم أصحاب المشأمة والذين يتسلمون كتابهم بشمالهم أو من وراء ظهورهم ، والذكر الحكيم لا يكتفي بذكر مصيرهم البئيس وحسب - كما هو الحال بالنسبة للسابقين وأصحاب اليمين - بل يبين أهم الأسباب التي تصير بالبشر إلى ذلك ، هداية لنا إلى النجد الصحيح ، وإنذارا من التورط فيها . وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ والشمال كناية عن الشؤم « 3 » ، وهذا المعنى واضح إذا فسرنا الكلمة هنا بالآية التاسعة ، فهذا الفريق هم المعنيون بالمشأمة ، ومع أنهم يُعطَون كتابهم بشمالهم وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [ الحاقة : 25 ] ، إلا أن القرآن لا يسميهم بأصحاب اليسار ، لأنها مأخوذة من اليسر تفاؤلا كالمفازة للصحراء ، ذلك أن قوة الإنسان في يمينه ، ويستخدمها بيسر وسهولة ، في حين يواجه حرجا وعُسرا في إعمال شماله ، فقيل يسار رجاء اليسر . ونستوحي من ذلك أن سيرة المتقين والمؤمنين هي المسيرة الطبيعية التي تنسجم مع واقع الإنسان والحياة ، وأن مسيرة أهل النار هي الشذوذ عن مسيرة الخليقة . أوليس كل شيء في العالم يسلم لله ويخضع لسننه ويسبح بحمده ؟ وكيف لا يكونون كذلك وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ؟ [ الإسراء : 44 ] ، في حين نجد هؤلاء يكفرون بالله ، ويشركون به ، وينكرون الحقائق الكبرى كالبعث ، ويخالفون سنن الله وأوامره . وإذا كان تجلي الشمال واليمين والمشأمة والميمنة في يوم الدين هو إعطاء الكتاب بإحدى اليدين فإن تجليهما في الواقع الاجتماعي والسياسي هو القيادة الصالحة بالنسبة لليمين ، والفاسدة بالنسبة للشمال ، وقد وردت بهذا التأويل روايات كثيرة من بينها قول أبي عبد الله عليه السلام :
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 279 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 130 . ( 3 ) المنجد : مادة شمل ، نقلا بتصرف .